أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

254

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الظرف ، وكما عمل « أطيب » في قولهم : « هذا بسرا أطيب منه رطبا » في الظرفين المقدّرين ، لأنّ « أفعل » يدلّ على معنيين : على أصل الفعل وزيادته ، فيعمل في كلّ واحد منهما بمعنى غير الآخر ، فتقديره : يزيد قربهم إلى الكفر على قربهم إلى الإيمان » . ولا حاجة إلى تشبيه الجارّين بالظرفين ، لأن ظاهره أن المسوّغ لتعلّقهما بعامل واحد شبههما بالظرفين ، وليس كذلك ، وقوله : « الظرفين المقدّرين » يعني أنّ المعنى : هذا في أوان بسريّته أطيب منه أوان رطبيّته . و « أَقْرَبُ » هنا من القرب الذي هو ضد البعد ، ويتعدّى بثلاثة حروف : « اللام » و « إلى » و « من » ، تقول : قربت لك وإليك ومنك ، فإذا قلت : « زيد » أقرب من العلم من عمرو ف « من » الأولى المعدّية لأصل معنى القرب ، والثانية هي الجارة للمفضول . وإذا تقرّر هذا فلا حاجة إلى ادّعاء أنّ اللام بمعنى إلى . و « يَوْمَئِذٍ » متعلّق ب « أَقْرَبُ » ، وكذا « مِنْهُمْ » ، و « من » هذه هي الجارّة للمفضول بعد أفعل ، وليست هي المعدّية لأصل الفعل . ومعنى « هم للكفر أقرب منهم يومئذ للإيمان » أنهم كانوا قبل هذا الوقت كاتمين للنفاق ، فكانوا في الظاهر أبعد من الكفر ، فلمّا ظهر منهم ما كانوا يكتمونه صاروا أقرب للكفر . و « إذا » مضافة لجملة محذوفة عوّض منها التنوين كما تقدّم تقريره ، وتقدير هذه الجملة « هم للكفر يوم إذ قالوا : لو نعلم قتالا لاتّبعناكم » وقيل : المعنى على حذف مضاف أي : هم لأهل الكفر أقرب لأهل الإيمان . وفضّلوا هنا على أنفسهم باعتبار حالين ووقتين . ولولا ذلك لم يجز . تقول : « زيد قاعدا أفضل منه قائما » أو : « زيد قاعدا اليوم أفضل منه قاعدا غدا » ولو قلت : « زيد اليوم قاعدا أفضل منه اليوم قاعدا » لم يجز . وحكى النقاش عن بعض المفسرين أنّ « أَقْرَبُ » هنا ليست من معنى القرب الذي هو ضد البعد ، وإنما هي من القرب بفتح القاف والراء ، وهو طلب الماء ، ومنه « قارب الماء » ، وليلة القرب : ليلة الورود ، فالمعنى : هم أطلب للكفر ، وعلى هذا فتتعيّن التعدية باللام ، على حدّ قولك : « زيد أضرب لعمرو » . قوله : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنها مستأنفة لا محلّ لها . والثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من الضمير في « أَقْرَبُ » أي : قربوا للكفر قائلين هذه المقالة . وقوله : « بِأَفْواهِهِمْ » قيل : تأكيد كقوله : وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ « 1 » . والظاهر أنّ القول يطلق على اللسانيّ والنفسانيّ فتقييده بأفواههم تقييد لأحد محتملين ، اللهم إلا أن يقال : إنّ إطلاقه على النفساني مجاز . قال الزمخشري : « وذكر القلوب مع الأفواه تصوير لنفاقهم ، وأنّ إيمانهم موجود في أفواههم فقط » وبهذا الذي قاله الزمخشري ينتفي كونه للتأكيد لتحصيله هذه الفائدة . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 168 إلى 169 ] الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 168 ) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 )

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 38 ) .